عرض نقدي: هل فيلم "الفرقة الانتحارية" بهذا السوء حقاً؟

تحتاج شركة "دي سي كوميكس" لتحقيق نجاح ساحق من خلال فيلمها الجديد "الفرقة الانتحارية"، وذلك بعد ما لاقاه فيلمها "باتمان ضد سوبرمان: فجر العدالة" من نقد حاد.

"ماذا يمكن أن يحدث إذا ما كان سوبرمان المقبل إرهابياً؟" هذا هو السؤال المنمق المتكلف، الذي تطرحه عميلة الاستخبارات آماندا واللر (فيولا دافيس)، لإقناع رؤسائها بأنها تحتاج إلى عصبة من الأشرار ذوي القدرات الخارقة، لمحاربة الأعداء الجدد المحتملين لهذا الكوكب.
وبعدما تجد واللر قاتلاً محترفاً وطبيبةً نفسية سابقة تعاني من اضطرابات عقلية وغيرهما، تطلق سراح كل هؤلاء من السجن لمحاربة الشر بالشر.
ولكن يا ليت باقي أعضاء "الفرقة الانتحارية" كانوا مثيرين للفضول والاهتمام، بقدر ما يثيرهما ذاك الافتراض الذي اقترحته "واللر" على رؤسائها، وكان مُشبّعاً بأبعاد سياسية.
وبوسع المرء القول إن خطتها هذه ضخت الروح والحركة في قصة العمل. لكن استخدام مثل هذه المفردات هنا غير صائب، في ضوء أننا نتحدث عن فيلم تتسم مشاهد الحركة فيه بأنها خرقاء، وهو كذلك مثقلٌ بشخصيات يسهل نسيانها.
ويقدم الفيلم – وهو من إنتاج شركة "دي سي كوميكس" – أبطاله الأقل شهرة من شخصيتيّ سوبرمان وباتمان، عبر لقطات سريعة يجري فيها تذكر أحداث الماضي "فلاش باك".
ومن بين هؤلاء الأبطال "ديد شوت" (الرصاصة المميتة) الذي يُجسد شخصيته ويل سميث، ويبدو ذا جسدٍ قوي ورأسٍ حليق. وبحسب الأحداث؛ يُدفع لهذا الرجل ملايين الدولارات لقتل شخصٍ ما، ولكن المطاف ينتهي به في السجن لأنه يأبى ارتكاب الجريمة أمام ابنته المحببة إلى قلبه.
ويقدم سميث هنا نمطاً مألوفاً بالنسبة له: الشرير الذي لا يخلو ثوبه من نقاط بيضاء، والذي يدلي دوماً، وبسهولة، بملاحظات بارعة تنطوي على سخرية وتهكم، رغم أن ذلك لا يحدث كثيراً بما يكفي في فيلمنا هذا.
كما نشاهد الممثلة مارغو روبي، وهي تجسد شخصية هارلي كويَنْ، على الشاكلة التي ألفناها منها. ففي البداية تبدو الشخصية، واسمها الكامل هارلين كويَنْزل، مثل أي طبيبة نفسية تتولى رعاية نزلاء السجون، إذ نراها ترتدي عوينات سوداء كبيرة الحجم للغاية، مع حذاء ذي كعبٍ يصل طوله إلى ثلاث بوصات.

بعد ذلك، تقع في حب مريضها "الجوكر" ذي الشعر الأخضر اللون والأسنان ذات الحواف الفضية. وسرعان ما تُخِلُ الطبيبة بواجبات مهنتها وتمضي في طريق مختلف، تضع فيه مساحيق تجميل بيضاء براقة، مع أحمر شفاه فاقع اللون لتصبح ملامح وجهها شبيهة بملامح وجه حبيبها.
وتظهر روبي، وهي تهز تنوراتها القصيرة يمنة ويسرة، ويومض في عينيها أحياناً بريق جنون، كما تتحدث بين الحين والآخر، بلهجة منطقة بروكلين الأمريكية، ذات الألفاظ البذيئة.
ورغم الصفات الغريبة التي يتحلى بها "البشر الخارقون" الذين تحشدهم واللر في الفيلم؛ فإنهم تافهون في حد ذاتهم. وهو ما ينطبق على شخصية الجوكر، التي تتسم – وبشكل مفاجئ - بأنها عادية ومبتذلة.
ويجسد جاريد ليتو هذه الشخصية على نحو مماثل لما ظهر عليه بطل فيلم "سكارفيس" قبل أكثر من ثلاثة عقود؛ كأن يتصرف بفظاظة وعنف في ملهى ليلي، ويسترخي في منزله مُستلقياً على الأرض، ومُحاطاً بالأسلحة.
لِمَ التحلي بجدية مفرطة؟
على كل الأحوال، لن يكون بوسع المخرج والكاتب دافيد آير أن يلوم أحداً سواه، فيما يتعلق بالتشوش الذي يشوب سيناريو "الفرقة الانتحارية"، بالنظر إلى أنه هو نفسه من كتب وأخرج الفيلم.
المعروف أن آير يصبح في أفضل حالاته عندما يعبر من خلال أعماله عن الوضوح الأخلاقي والمعنوي: فقد كتب سيناريو فيلم "ترانينغ داي" (يوم التدريب) الذي أخرجه أنطوان فيوكوا.
كما كتب وأخرج "إند أوف ووتش" (نهاية المناوبة)، وهو فيلم مُفعمٌ بالأحداث الدرامية، ويدور حول حياة اثنين من رجال الشرطة.
غير أن فيلمه الجديد "الفرقة الانتحارية" يبدو مُفتقراً للخيال فيما يتعلق بالنص، وذا طابعٍ مغرقٍ في التبسيط فيما يتصل بالصورة، وذلك بالنظر إلى ما كان في متناوله من ميزانية ضخمة، وما توافر لديه من شخصيات كارتونية الأصل، استعان بها ضمن الأحداث.
واتسم العمل الجديد بالطابع الباهت نفسه الذي شاب فيلم "باتمان ضد سوبرمان: فجر العدالة"، الذي يشكل الجزء السابق لفيلمنا هذا، في تلك السلسلة التي يربط بينها وبين بعضها البعض، كونها ترتكز على شخصيات ظهرت في الأصل، في المطبوعات المصورة التي تنشرها شركة "دي سي كوميكس".
وفي الفيلم، تبدو لطخات الألوان، التي تضفيها شخصيتا هارلي والجوكر على المشاهد، أشبه بصدمات للمشاعر ودفقات مفعمة بالحيوية.
ولكن صدمات الطاقة الحقيقية تأتي في شكل صواعق ضوء، تغمر مشهديّ حركة نمطييّن، تظهر فيهما الشخصية الأكثر شراً في العمل؛ "إنشانتريس"، وهي ساحرة قديمة استحوذت على جسد عالمة آثار تُدعى "جون" (كارا دلافين).
ويماثل هذان المشهدان، مشاهد لا حصر لها ظهرت في أفلام أخرى، بما في ذلك فيلم "صائدو الأشباح"، سواء في جزئه السابق أو الجزء الجديد الذي بدأ عرضه مؤخراً.
وعندما تدمر الساحرة محطةً لقطارات الأنفاق يبدو الأمر مملاً، لاسيما وأن هذا لا يشكل كذلك - على الأرجح - الوسيلة الأكثر فعالية للقضاء على الحضارة البشرية.
وعلى أي حال، لا يخلو الفيلم من لمحات تشير إلى ما كان بوسع آير إنجازه؛ إذا ما اتبع غرائزه الفطرية. فشخصية واللر رُسمت على نحوٍ يجعلها عديمة الرحمة كليةً، أما فيولا دافيس، التي جسدت هذه الشخصية، فتتمتع بقدرٍ من المكر والخبث بشكل كافٍ، لجعلنا نتعاطف معها ونتشكك فيها في الوقت نفسه.
لكن مثل هذه الجوانب المبهمة لم تُستكشف قط، تماماً كما لم يجر أي تناول متعمق لهاجس ظهور "سوبرمان إرهابي".
القوة النسائية
فضلاً عن ذلك؛ ثمة حقيقة واضحة في الفيلم، مفادها بأن للنساء السطوة والغلبة.
فشخصيتا واللر وإنشانتريس تمثلان القطبيّن المتضاديّن للقوة والنفوذ في العمل. كما أن شخصية هارلي كويَنْ، شكلت الوجه المُميِز للعمل، إذ أنها مثلت طيلة شهورٍ قبل بدء عرضه؛ الشخصية التي يدور حولها النقاش أكثر من غيرها.
بجانب ذلك، هناك شخصية لم تُستغل كما يجب في الأحداث: كاتانا (كارِن فوكوهارا)، وهي امرأة تُشهر سيفاً، يمتص أرواح من يسفك دماءهم. ورغم أن "الفرقة الانتحارية" لا يعترف علناً قط بتوجهاته حيال أبطاله من الجنسيّن، فإن هذه التوجهات واضحةٌ لكل من يشاهده.
وعندما ينجح عمل سينمائي، مُستوحى من قصص مصورة (كوميكس)، كما حدث للعديد من الأفلام التي انتجتها شركة "مارفل" الغريم اللدود لـ"دي سي كوميكس"، فإن ذلك يعود لكون تلك الأعمال تتسم بالذكاء والبراعة الكافييّن للاستحواذ على إعجاب جمهورٍ لا يقتصر فقط على قاعدتها الجماهيرية الأصلية، المستعدة دوماً للاحتفاء بتلك الأعمال التي تتسم في الغالب بأنها غريبة الأطوار.

فمثلاً، يستفيد فيلم "كابتن أمريكا: جندي الشتاء"، من حبكته القصصية كثيرة التقلبات، والمسؤولين الحكوميين المخادعين الذين تتضمنهم أحداثه، لكي يكتسب ثقلاً درامياً. أما "الفرقة الانتحارية"، فيكتفي بمجرد وضع الأفكار التي يريد التعبير عنها على سطح أحداثه بعجلة وضجة كبيرتيّن.
كما أن الفيلم يمنح شخصياته العادية والشريرة على نحو خارق سماتٍ يمكن وصفها بـ"التعويضية". إذ نرى "ديد شوت"، يبكي بالفعل حينما يتلقى رسائل من ابنته. أما هارلي؛ فتنهار عندما تَحسَبُ أنها فقدت الجوكر؛ أو "بودينغ" كما تُطلق عليه تحبباً.
في الوقت نفسه، نجد أن ريك قائد "الفرقة الانتحارية"، والذي يجسد دوره جول كينَمان، مُتيمٌ بحب العالمة الأثرية جون، إلى حد أنه يخاطر بمصير العالم كي يحررها من استحواذ الساحرة إنشانتريس عليها.
وهنا يبدو أن المرء لا يلقي بالاً لاعتبارات التذوق الجمالي والحسي، عندما يقع في الحب؛ إذ أن إنشانتريس؛ أكثر إثارة بكثير من جون - الخنوعة ضئيلة الجسد – وذلك بفضل صوتها المبحوح والمُجَمّل بشكل لم يتوافر لصوت شخصية باتمان من قبل، وكذلك بفعل خزانة أزيائها المثيرة.
حتى الموسيقى، التي تتخلل كل المشاهد تقريباً، وتتسم بطابع متنوع، بدءاً من "الراب" وحتى موسيقى "البوب الكلاسيكية"، فتتماشى حرفياً مع الأحداث على نحو لا يطاق.
في المراحل الأولى من العمل، يستخدم صناعه أغنية "سيمباثي فور ذا ديفِل" (التعاطف من أجل الشيطان)، وهو ما يثير العجب.
ومع الاقتراب من النهاية، وحينما نستمع إلى أحد مقاطع أغنية "بوهيميان رابسودي" (القصيدة الملحمية البوهيمية)، الذي يقول: "أمي لقد قتلت رجلاً"، نجد أن هذا المقطع لم يُستخدم كإشارةٍ لدمار آتٍ، وإنما لمجرد إفساح المجال لبعض التذمر والأنين.
وهنا لعل المرء يتساءل: كيف غفل صناع الفيلم عن الاستعانة بأغنية "وات آي ديد فور لاف؟" (ماذا فعلتُ من أجل الحب؟)؛ إذ أنها كانت قادرة على أسر القلوب الرقيقة لأعضاء "الفرقة الانتحارية"، وربما على الاستحواذ كذلك على عقولهم الأكثر هشاشة وضعفاً.

شارك الموضوع

مواضيع ذات صلة